مؤسســــة عــــدن الغـــد للإعــــلام
آخر تحديث للموقع الجمعة 03 أبريل 2020 02:26 صباحاً

ncc   

رئيس المجلس المحلي بخنفر يتفقد سير الأعمال لإعادة تأهيل سوق الخضار
‏تكليف نصر المشوشي بمهام قائد اللواء الاول دعم واسناد
قوات معسكر كوارتز تنتشر في شوارع مديرية غيل باوزير لفرض حظر التجوال
مدير أوقاف وادي حضرموت يدشن مبادرة أنت وطن التطوعية في حملة تعقيم وتنظيف عدد من جوامع مدينة سيئون
محافظ الحديدة يقدم واجب العزاء لأسرة الفقيد
بن بريك: أحن لعودة الميسري والجبواني للجنوب
ضمن الاجراءات الاحترازية والوقائية اهالي مدينة سيئون يلتزمون لقرار حظر التجوال بالمدينة
ملفات وتحقيقات

مقال مصوّر: سقطرى، من إعصار لآخر

المبنى الأساسي لمطار سقطرى
الاثنين 10 فبراير 2020 02:32 مساءً
كتب / أحمد ناجي:

خلال رحلتي إلى اليمن قبل أشهر، زرتُ أرخبيل سقطرى حيث يبرز هناك فصلٌ آخر من فصول الصراع الإقليمي في اليمن. أمضيت أياماً عدّة هناك أجريت خلالها مقابلات مع عديد من السكان المحلييّن وقمت بزيارة الأماكن المهمة فيها. تُظهر التطورات في سقطرى كيف تحوّلت هذه الجزيرة إلى كرة قدم تتقاذفها أطراف إقليمية، شأنها في ذلك شأن أجزاء أخرى في اليمن، بينما تحاول الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، عبر السلطة المحلية، الحفاظ على سلطتها هناك.

 

سقطرى الواقعة في شمال غرب المحيط الهندي على مقربة من خليج عدن، هي الأكبر بين الجزر اليمنيّة، وتُشكّل جزءاً من أرخبيل يتألف من أربع جزر وجزيرتَين صخريتَين صغيرتين. اثنتان من هذه الجزر، عبد الكوري وسمحة، مأهولتان، في حين أن الجزيرة الثالثة درسة ليست كذلك. تمتدّ سقطرى التي أُعلِنت محميّةً طبيعيّة في العام 2000، على مساحة 3650 كيلومتراً مربعاً، وظل الأرخبيل جزءاً من محافظة حضرموت حتى العام 2013، قبل أن يصبح محافظة قائمة بحد ذاتها.

 

يبلغ عدد سكان سقطرى نحو 90000 نسمة، لكنه سجّل زيادة كبيرة في الأعوام الخمسة الماضية مع مقدم عددًا من الأشخاص إلى الجزيرة بداية تصاعد المواجهات المسلحة في الداخل اليمني. تُشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد سكانها وصل الآن إلى 150000 نسمة، ويُقيم معظمهم في العاصمة حديبو، ويتكلّم أبناؤها، إلى جانب العربيّة، لغتهم الساميّة الخاصة غير المدوَّنة، والمعروفة باللغة السقطريّة، وهي لغة قريبة من اللغة المهريّة التي يتكلّمها أبناء محافظة المهرة شرق اليمن. واللغتان تنحدران من الأصول نفسها، وكانت سقطرى والمهرة موحّدتَين في عهد سلطنة المهرة في قشن وسقطرى، التي استمرت حتى العام 1967.

 

من مدينة سيئون في حضرموت توجّهتُ إلى سقطرى. ولدى الوصول إلى مطار الجزيرة، طُلب من جميع الركاب اليمنيين، الذين ليسوا من أبناء سقطرى إبراز هوياتهم الشخصيّة، بناءً على إجراء متَّبع بصورة منتظمة منذ العام 2018. ثم سُئلنا من قبل عناصر أمن المطار عن الهدف من الزيارة، بعدها طُلب منا إحضار مُعرّف من سكان الجزيرة قبل أن يسمحوا لنا بالدخول.

 

لم يعد السفر إلى سقطرى أمراً سهلاً لليمنييّن. فالسبيل الوحيد للوصول إلى الجزيرة هو على متن الرحلات التابعة لشركة "اليمنيّة"، الناقل الوطني اليمني، التي تُسيِّر رحلات إلى هناك مرة واحدة فقط في الأسبوع، مايستوجب من الركّاب الحجز قبل وقت طويل. ويمكن التوجّه أيضاً إلى الجزيرة بحراً، انطلاقاً من حضرموت والمهرة، لكن وحدهم سكّان الجزيرة يُسمَح لهم باستخدام هذه الوسيلة. فمنذ بداية إشراف الإمارات العربية المتحدة على تشغيل المطار في العام 2016 ونشر السعودية قواتها في الجزيرة في العام 2018، تفرض السلطات الأمنيّة غرامة مرتفعة على مالكي المراكب والسفن الذين ينقلون ركّاباً ليسوا من أبناء سقطرى. من ناحية أخرى، تنطلق رحلتان في الأسبوع، وأحياناً أكثر، من مطار أبو ظبي إلى الجزيرة. وهذا ما يجعل الوصول إلى سقطرى عبر الإمارات العربية المتحدة أسهل من الوصول إليها من مطارات الداخل اليمني. هذا الأمر يُعطي لمحة عن طبيعة الوضع الراهن هناك.

 

عندما تطأ قدماك أرض مطار سقطرى، تستشف على الفور التغييرات في الجزيرة. فقد تلقّيتُ فور هبوط الطائرة رسالة نصّية على هاتفي مطلعها "مرحبًا بكم في المملكة العربية السعودية" متبوعة بأسماء شبكات التجوال السعودية. وسرعان ما أدركت السبب عندما رأيت معسكرات القوات العسكرية السعودية على مقربة من المطار. فقد وصل السعوديون إلى الجزيرة في نيسان/أبريل 2018 بهدف نزع فتيل التوترات بين الإمارات وبين الحكومة اليمنية، بحسب ما أُعلن. ويروي السكان المحليون أن السعوديين أحضروا معهم معدات اتصال خاصة بهم لتجنّب استخدام خدمات شركة الاتصالات الإماراتية الموجودة في سقطرى، وهي المشغِّل الرئيس لشبكة الهاتف النقال، وتعمل في الجزيرة رغم عدم امتلاكها لترخيص من الحكومة اليمنية.

 

بعد الخروج من المطار عادة ما يتم التوجه إلى عاصمة سقطرى" حديبو"، الواقعة على الشمال الشرقي للجزيرة. وتعتبر حديبو قلب سقطرى، إذ تتواجد فيها الأسواق والمؤسسات العامة. في الأعوام الخمسة الماضية، توسّعت حديبو وشُيِّدت منازل جديدة فيها، خصوصًا مع قدوم بعض اليمنيين إلى سقطرى، والذين قدموا بداعي العمل. فمعظم التجّار في أسواق حديبو ينحدرون من محافظات يمنية عديدة. بينما يعمل الكثير من أبناء سقطرى في القطاع السمكي، إذ يعتبر النشاط الاقتصادي الأساسي لسكان الجزيرة منذ القدم.

 

على الرغم من أن سقطرى كانت ولا زالت وجهة سياحيّة، يواجه الزوّار صعوبات في العثور على أماكن جيدة في الجزيرة للإقامة فيها. تضم حديبو ثلاثة فنادق صغيرة فقط، مع عدد محدود من الغرف. لكن عندما كانت الجزيرة تستقبل في السابق عدداً أكبر من الزوار، كان هؤلاء يفضّلون التخييم في مناطقها الساحلية. في الواقع، تعتبر سقطرى من أجمل الجزر في العالم، ففي العام 2008، أدرجتها منظمة اليونسكو في قائمة مواقع التراث العالمي، "بسبب تنوّعها البيئي الذي يضم أنواعاً غنيّة ومختلفة من النباتات والحيوانات". ولطالما جذب ذلك اهتمام الزوّار من مختلف أنحاء العالم، إذ تمتلئ الجزيرة بالمواقع الخلاّبة، بدءاً من الشواطئ البيضاء في منطقة قلنسية الساحلية مروراً بالأشجار والنباتات الفريدة في جبال دكسم وصولاً إلى الكهوف الواسعة والأراضي الخضراء في مختلف أرجاء الجزيرة.

 

لكن سقطرى اليوم تستقطب نوعاً آخر من الاهتمام مصدره بلدانٌ في المنطقة، وعلى رأسها الإمارات والسعودية. وقد أسفر هذا الوضع عن حدوث تنافس بين البلدَين تعود جذورها إلى التأثير المتنامي الذي اكتسبته الإمارات في الجزيرة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2015، حين ضرب إعصار شابالا أرخبيل سقطرى مخلِّفاً أضراراً جسيمة. في ذلك الوقت، كانت المعركة في أوجها في البر الرئيسي اليمني بين جماعة أنصار الله (الحوثييّن)، وحليفها آنذاك علي عبدالله صالح من جهة، والتحالف الذي تقوده السعودية والمنضوي إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من جهة أخرى. ونظراً إلى ضعف المؤسسات التابعة للحكومة اليمنية، بادرت بلدان الخليج إلى تقديم المساعدة إلى سكّان الجزيرة لتخفيف وطأة وآثار الإعصار.

 

كانت هذه المساعدة بمثابة حصان طروادة من نواحٍ عدّة. فقد بدأ الوجود الإماراتي في سقطرى بالنمو والتوسّع في أعقاب إعصار شابالا، من خلال المساعدات التي قدّمها الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان. كانت الحكومة اليمنية حينذاك ممتنّة للدعم الإنساني، فعمدت نتيجةً لذلك إلى تسهيل عمل المنظمات الإماراتية في الجزيرة. وفي شباط/فبراير 2016، وقّع رئيس الوزراء اليمني آنذاك اتفاقات عدة مع منظمات الإغاثة الإماراتية لتنفيذ مشاريع إنمائية في سقطرى.

 

ومنذ ذلك الوقت، وسّعت الإمارات نطاق تدخلها في سقطرى من خلال وسائل عدة. وبدأت بشراء ولاء السلطات المحلية في ذلك الوقت، عبر منح رواتب إضافية إلى موظفي القطاع العام، فضلاً عن تقديم سيارات حديثة إلى بعض المدراء في السلطة المحلية. كما اعتمدت أيضاً رواتب لزعماء القبائل، بما في ذلك قادة المجموعات القبلية الأصغر حجماً (المقادمة). وإضافةً إلى ذلك، أعادت الإمارات تنظيم المؤسسات الأمنية اليمنية العاملة في سقطرى في إطار سلطة واحدة، ففرضت مركزية الشؤون الأمنية في الجزيرة تحت ما يعرف بـ "المركز الشامل".

 

فيما يتعلق بالقوة الناعمة، عمدت الإمارات إلى تشييد وترميم المدارس في مختلف أنحاء الجزيرة، فضلاً عن بناء المساجد أو توسيعها، ومنها المساجد العائلية. ونظراً إلى تديُّن أبناء الجزيرة، ساهمت هذه الخطوة بتعزيز وجود الإماراتيين في بعض المناطق. كما قدّمت الإمارات حافلات مدرسية، ووزّعت منحاً للدراسة للطلاب السقطرييّن في جامعات إماراتية، وقامت أيضاً بتمويل أنشطة اجتماعية مثل حفلات الزفاف الجماعية. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الإمارات مستشفى الشيخ خليفة لتقديم العلاج الطبي لأبناء الجزيرة، في حين أن الأشخاص الذين يحتاجون لعمليات جراحية يُرسَلون إلى الإمارات.

 

دفع الوجود الإماراتي في سقطرى بالسعوديين إلى التفكير أيضاً في توسيع نفوذهم في الجزيرة الاستراتيجية. وباشرت السعودية، من خلال البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تنفيذ مشاريع إنسانية من أجل ضمان ولاء سكان الجزيرة بهدف الحصول على موطئ قدم هناك. المنافسة بين السعوديين والإماراتيين باتت واضحة للعيان، وهو الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستقطاب داخل الجزيرة. ومن نتائج هذه المنافسة أن وصل الأمر بكلا البلدَين إلى تمويل مشاريع في مناطق نائية، ونشر لوحات المشاريع مع أعلام البلدين في معظم مناطق الجزيرة، مع العلم أن بعض هذه المشاريع متناهية الصغر أو تتعلق بمشاريع لم تُنفذ بعد.

 

أثار الوجود الإماراتي حالة من الاستياء في الأوساط اليمنية، ولاسيما مع احتدام التوترات بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات في عدن في كانون الثاني/يناير 2018. وفي خطوة لافتة، أرسلت الإمارات، في نيسان/أبريل 2018، أي بعد أكثر من عامَين على إعصار شابالا، قوة عسكرية من نحو 300 عنصر إلى سقطرى. فرضت هذه القوة سيطرتها على المطار والميناء البحري وعلى مرافق حيوية. إضافةً إلى ذلك، منعت القوى الأمنية المدعومة من الإمارات المسؤولين اليمنيين من دخول المطار لاستقبال وفدٍ سعودي كان آتياً إلى الجزيرة لتسوية الخلاف بين الإمارات وبين الحكومة اليمنية.

 

يُحتمل أن الإماراتيين قرروا تثبيت حضورهم بقوة أكبر في سقطرى بسبب التطورات في محافظة المهرة حيث نشرت السعودية قواتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2017. إذ يبدو الإمارات فسّرت هذه الخطوة بأنها محاولة سعودية للهيمنة على حصاد معركة التحالف في اليمن بصورة مبكرة، فردّت بتعزيز سيطرتها على سقطرى. تجدر الإشارة هنا إلى أن السعوديين ضغطوا على رئيس الوزراء اليمني آنذاك أحمد عبيد بن دغر للتوجّه إلى سقطرى في نيسان/أبريل 2018 بغية إدانة السلوك الإماراتي هناك. وهكذا، طبعت هذه الأحداث مرحلة جديدة في العلاقات بين الإمارات والحكومة اليمنية، وكذلك بين الإمارات والسعودية.

 

ازداد القلق أيضاً لدى السلطات العُمانية مع وقوع المهرة تحت التأثير السعودي وفرض الإمارات سيطرتها على سقطرى. ودفعت هذه التطورات بمسقط إلى تفعيل روابطها مع زعماء القبائل في سقطرى، علماً بأن علاقات تاريخية تجمع هؤلاء بسلطنة عمان. وترتكز المقاربة العُمانية على مدّ الحكومة اليمنية وسكان سقطرى بالمؤازرة في مواجهة الإمارات.

 

اليوم تهيمن الإمارات عبر مشاريعها الناعمة والعسكرية على الكثير من مفاصل الحياة في سقطرى. إلى جوارها، تظهر السعودية كمنافس يحاول الحصول على نصيبه من النفوذ في هذه الجزيرة الحيوية. ومع محاولات السلطة المحلية الرافضة للسيطرة الإقليمية، تبدو الحكومة اليمنية، ككيان هشّ، تستخدمها السعودية كواجهة في تنافسها مع الإمارات متى أرادت.

 

نتيجة لهذه التوترات، تعيش سقطرى اليوم اضطرابات مستمرة، أحدثت حالة من الانقسام العميق بين مجتمع طالما عُرف بتماسكه. ليجد أبناء سقطرى أنفسهم عالقين في الوسط، حالمين بالأيام الغابرة حين كانت العواصف الوحيدة التي تقلقهم هي عواصف الطبيعة فقط.




شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها

شاركنا بتعليقك