عصيان وشهداء في الخرطوم وأم درمان


الأربعاء 12 يونيو 2019 06:52 صباحاً

مصطفى منيغ

الناس هنا من أعماق أعماقهم يرفضون الاستعباد ، مستعدون التضحية بأرواحهم بدل العودة للعيش مرة أخري تحت سلطة الاستبداد، يناضلون حتى الأقصى لتحقيق سحق نفس القيد ، التارك علامات الألم والقلق وكل صنوف النَّكد ، من ثلاثين سنة عاشوها من سيئ إلى أسوأ كل أسبوع من الاثنين إلى الأحد . لذا مهما سخر المجلس العسكري من اعتقال وتعذيب وقتل لن يخضع من السودانيين لقراراته أحد ، فاض دم الأحرار في ساحات الاعتصام لصبغ الأرض بحمرة العهد ، فغذت شعارا غير مكتوب تتحسسه الأرواح المقدِّمة الأجساد ، لتلقي رصاص الغدر فدى ثورة الأمس واليوم والغد ، الجاعلة السودان كيانا منبعثا بالاختيار الحر القائم على الشرف والكرامة والعزة والسؤدد ، وأمة أولها كان رمزاً لحضارة الإنسان جيلا بعد جيل أزمانا بعد أزمان ووسطها ما تؤسسه الآن لمواصلة نفس المجد ، يتناقل بين صبيان الحاضر وكهول المستقبل قصة اندفاع سلمِيّ كَسَّرَ أصبع (كل ضابط مُغَرَّرٍ به) وُضع على الزناد .

السودانيون عازمون على اقتلاع جذور الفساد ، بأيديهم العارية وإرادتهم العالية ومطالبهم المثالية تخطياً لكل يوم أسود ، لهم طريقتهم على التعقل والروية مَبْنِيّة  تنشد صرف الطاقات وفق المستجدات  مدركة أن المجلس العسكري واجهة لغابة زَرْعُها "بلاستيكي" مستورد، مُخَصَّص لإلهاء الشعب السوداني عن الإنتاج الذاتي القائم على التخطيط السليم لولوج عالم الاستقرار الدائم بكل مقومات العدل والحرية والسلام بسياسة لا يطغى خلال ممارستها الجزر على المد .

السودان علامةُ (بما اندمج أحرارها وحرائرها فيما يقع الآن على الأرض أو يحدث داخل أماكن محصنة لا تصلها أعين جواسيس الرقباء المبعوثين من دول محور خدمة مصالح "إسرائيل" نزولا لرغبة الولايات المتحدة الأمريكية) من علامات عدم حكم العسكر الخاضعين لمن يدفع "لجنرالاتهم" الأكثر فيكونوا لطاعته دون الوطن أجدر وأفيد ، ومؤشِّرٌ بارز من مؤشرات التنبيه عن بداية نهاية إقصاء الشعوب من الإشراف على تخطيط إستراتيجية مصيرها مباشرة بنفسها غير تاركة حقها المطلق لعمرو أو زيد . لذا المواجهة بين المجلس العسكري "بوصلة" المتدخلين الأساسيين في الشأن السيادي السوداني المعروفين و عموم الشعب المتحد على كلمة واحدة مُوَحَّد ، تجعل المهم  ليس التفاوض أو ما يشابه العبث المبرمج المقصود به التظاهر الفلكلوري لاتقاء مواقف الساهرين الأمميين المدافعين الرسميين على حقوق الإنسان ، بل المهم والأهم وأهم الأهم الاستمرار في خوض المعركة بنظام وانتظام على نهج واحد ، إما الشعب بحكم مدني يحقق العدالة والمساواة  أو المجلس العسكري وما يرمز إليه من استبداد .

الزيارة التي قام بها رئيس حكومة أثيوبيا "أبو أحمد"،  في الأيام القليلة الماضية لم تكن للوساطة كما ظنها البعض وأنما للتحقق من مدى ومستوى وصول هيمنة مصر على مجريات الأحداث القائمة في عين المكان بتوجيه مُرَكَّز من مخابراتها بما ينعكس على ملف "مياه النيل" وما يمثله على المدى القريب من صراع بين المنتفعين من منبعه إلى متم مصبّه كآخر حد ، ليعود إلى بلده وفي عقله شيء من حتى وما أخذ ، من معلومات  ستمكنه مستقبلا لتطعيم ما بدأه في الموضوع من اجتهاد .

العصيان المدني الشامل آخر طلقة من سلاح شعب مسالم يطلقها على "طرف" مهيمن فاقد شرعية التحكم يسعى من ورائه القضاء على ثورة مباركة تريد تنظيف وطن من نظام مُفسد فاسد ، وفرصة اغتنمها بغباء ذاك "الطرف" ليبرهن بالحجة والدليل أنه تابع للمشير البشير المتروك مؤقتا إذ أمره كمصيره لم يتضح بعد، فيتوسع بأسلوب همجي لا يفصل عند افتراس الضحايا بين امرأة حامل أو كهل لما تعرض إليه من بطش لا يَحْتَمِل وبين رضيع أو شاب يحمي عرضه فكانت النتيجة شهداء وحالة لا تبشر بأي انفراج سوى الاستمرار في الجهاد ، لغاية تحقيق النصر أو اعتناق اللحد .

http://old.adengd.net/news/390280/
جميع الحقوق محفوظة عدن الغد © {year}