مؤسســــة عــــدن الغـــد للإعــــلام
آخر تحديث للموقع السبت 26 سبتمبر 2020 08:15 صباحاً

ncc   

من خارج الله الله ومن داخل يعلم الله
يكفِنا ظلاما
في ذكرى ميلاد اليمن  ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م
سبتمبر مسيرة كفاح طويل من أجل أن نرى النور
{ شيئاً عايش في داخل الوجدان }
جرعات طافي لتغطية العجز بدأت في عهد عفاش وزادت ضراوتها في ظل غياب الدولة
في مستشفى الجمهورية من الفاسد؟
آراء واتجاهات

الدعوة للسلام في مواجهة تراجيديا الحرب الأهلية في اليمن

د. محمد الميتمي
الذهاب لصفحة الكاتب
مقالات أخرى للكاتب
الأحد 09 أغسطس 2020 05:34 مساءً

 

أ.د./ محمد الميتمي

يصرخ العالم كله في وجه الحرب الأهلية المدمرة في اليمن ويتوسّلٌ المتحاربين بوقفها والجنوح إلى السلم لأنها غدت كما يصفها أكبر كارثة ومأساة إنسانية في هذا القرن على كوكب الأرض. هذه الحرب لم يعرفٌ اليمنٌ لها مثيلا من قبل لا في تأريخه القديم ولا الوسيط ولا الحديث. لقد قضت هذه الحرب على حياة مئات الألاف من البشر وشردت الملايين من ملاذاتهم الآمنة وأغرقت عشرات الملايين من اليمنيين في المجاعة القاتلة والإملاق ودمرت معظم البنى الأساسية والبيئة المساندة للحياة. أي أنها بإيجاز شديد أكلت الأخضر واليابس. لا تستطيع الأرقام المدوّنة والمعلنة على علوها الشاهق أن تعكس بدقة وبلاغة حجم المأساة الإنسانية في اليمن وتصور عذابات الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الذين تحرقهم وتلتهم أجسادهم وأرواحهم هذه الحرب الملعونة.

الحروب الأهلية هي أشد الحروب قساوة وتدميرا ووقعها على المجتمعات أشد فظاعة من الحروب الخارجية. هناك أكثر من 50 حرب أهلية وقعت حول العالم منذ مطلع القرن الواحد والعشرين. وهي لا تتوزع اعتباطا على كوكب الأرض بل تحدث وتتكرر تحديدا في الدول الهشة أو بلدان مليار القاع كما يطلق عليها باول كولييه ونحن أحدها. قد تطول وتستمر الحروب الاهلية لعقود طويلة من الزمن تزيد عن 50 عاما أول تقل قليلا كما في أفغانستان وكولمبيا والصومال وبورندي وليبريا وسيراليون وبقية الدول الهشة الأعضاء في مجموعة (G7 ) التي اليمن أحد أعضاءها. وبحسابات كولييه وآخرون الذي درسوا أكثر من مائة حرب أهلية حول العالم فإن متوسط عمر الحروب الأهلية يقدر بنحو 15 عاما. أما متوسط تكاليف هذا الحروب تزيد عن 50 مليار دولار تخسره البلدان المنخرطة فيها، وقد تصل إلى نحو 500 مليار دولار وأكثر. وكلما طال أمد الحرب كلما كان الخراب والدمار أكثر شمولا واتساعا وعمقا، وكلما كان الضرر والتهتك في النسيج الاجتماعي أكثر فتكا وبلاغة بحيث قد لا يمكن إصلاحه. مضت اليوم نحو ستة سنوات منذ انطلاقة الحرب الاهلية في اليمن وتقدر الخسائر المادية حتى الآن بنحو ما بين 100-150 مليار دولا، فضلا عن الخسائر البشرية التي لا تقدر بثمن.

أتذكر نصيحة الزعيم المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء مقابلتنا له في قصر الاتحادية في يوليو عام 2015، حيث خاطب الوفد اليمني الرسمي برئاسة نائب رئيس الجمهورية رئيس الحكومة آنذاك خالد بحاح قائلا ببصيرة نافذة وحكمة بليغة: "أسرعوا في وقف هذه الحرب، لأنها لو طالت مش حتشوفوا يمن تاني". وها هي الحرب اليوم تتواصل سعيرها وتدميرها لليمن للعام السادس على التوالي، وفتحت الأبواب على مصراعيها للتدخلات والمطامع الخارجية التي تغذي هذه الحرب بكل الوسائل والأدوات دون أن يستيقظ "الأخوة الأعداء" ويقولون كفى حربا وقتلا وتدميرا، فنحن جميعا خاسرون وهالكون، والسلام هو طريقنا الوحيد للنجاة. حالهم الآن أشبه بحال أخوة كان لديهم بيتا جميلا يستظلون به ويؤوون إليه فاختلفوا فيما بينهم حول من يستأثر به ليسكنه بمفرده، تحاربوا حتى أباد بعضهم بعضا وأحالوه خرابة وحطاما لا يصلح حتى لعيش الجرذان.

إن أخطر ما تفعله هذه الحرب الأهلية الآن باليمن هو تمزيقه وتشظيه بل وإلى ما هو أكثر بلاء وهو تحلل المجتمع وإفساد أخلاقه وقيمه وزرع بذور الكراهية والانتقام واستبدال الهوية اليمنية الوطنية الجامعة بهويات قاتلة. تقول أنديرا غاندي في مذكراتها أنها سألت ذات يوم والدها الزعيم الهندي المعروف جواهر لال نهرو: ماذا يحدث في الحرب؟ فأجابها بإيجاز قائلا: ينهار الاقتصاد. فسألته: وماذا يحل بالمجتمع إذا أنهار اقتصاده؟ فرد عليها: تنهار أخلاقه. حينئذ تساءلت مذعورة: وماذا يحدث لو انهارت أخلاق المجتمع؟ فأجابها بمنتهى البلاغة والحكمة: وما الذي يبقيك في بلد انهارت أخلاقه؟

تشير معطيات التأريخ وحقائقه أنه مع سقوط الدولة وتفككها وتمزّقها بفعل الحرب الأهلية يموت كثير من الناس وينتشر الفقر ويشتد ويتسع ويتعمّق وتغرق الأمة في الأوبئة والامراض والمجاعات القاتلة ويهيم الناس على وجوههم تشردا وغربة واغترابا ويتفكك نسيج المجتمع ويتحلل وتنهار القيم والأخلاق. يصبح تدخل البلدان والقوى الخارجية الكبيرة منها والصغيرة، القريبة منها والبعيدة أمرا مشاعا وغير منبوذ. يصبح لهم وكلاء وعملاء محليين في كل مراكز القرار وأنحاء المجتمع يتباهون ويتفاخرون بارتباطاتهم وأدوارهم الدنيئة جهارا نهارا ويهللون ويسبحون بحمد الغازي والمستعمر أنآء الليل وأطراف النهار. تصبح الجريمة شائعة متكررة ومتنوعة بلا خوف أو وجل حتى تبدو كما لو أنها ظاهرة اجتماعية اعتيادية لم يعد لها رادع يردعها ولا مانع يحول دون وقوعها لا في ضمير الفرد أو في ضمير الجماعة. يتحول الناس إلى ذئاب بشرية متوحشة تنهب وتقتل وتأكل كل شيء تصادفه في طريقها. يٌنًّصبٌ سفلة المجتمع وصغارهم وتجار الحروب والصعاليك سادة للقوم وقادتهم وتنتشر العصابات والميلشيات المسلحة والمجرمين والقتلة واللصوص والمحتالين، تتكاثر وتتناسل كالصراصير في البيئة القذرة فيحتلوا كل جنبات الحياة وزوايا المجتمع رأسيا وأفقيا. ويصبح مبدأ البقاء للأقوى هو المبدأ السائد فتسود شريعة الغاب ليصبح كل شيء مباحا بما في ذلك اقتطاع الأوطان وانتهاك الأعراض. ما كان مٌحّرماً ومٌقدّساً ومٌبجّلاً، مع الفقر والعوز والجهل وسقوط الدولة الحامية الراعية وما يتبع ذلك من تحلل وانهيار للقيم والأخلاق، يصبح مٌباحاً مٌنتهكا وكل شر وأدواته يغدو متاحا سهل المنال. قال زعيم المتمردين (لوران كابيلا) لاحد الصحفيين وهو يمضي بجماعته المسلحة لاقتحام كنشاسا عاصمة زائير في تسعينات القرن الماضي: التمرد المسلح عملية سهلة. كلما تحتاجه هو عشرات الألاف من الدولارات لتكوّن جيشا وهاتفا محمولاً لأدارته. فما بالك اليوم عندما تتدفق مئات الملايين من الدولارات على قادة الميلشيات والعصابات وتجار الحروب في اليمن ويجري تسليحها بالدبابات والمدافع والصواريخ ومختلف أنواع الأسلحة.

 لم ولن تقود تلك العصابات والميليشات وتجار الحروب إلّا إلى مزيد من العنف والعنف المضاد والحروب والاقتتال، إلى التشرذم والتجزئة، إلى الموت والجوع والهلاك. تَذْكرٌ بعض الروايات أنه كمحصلة للمجاعة الساحقة التي ضربت مصر في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي والتي أطلق عليها "الشدة المستنصرية" لجأ الناس لأكل الموتى والضعفاء والأطفال بعد أن أكلوا الحيوانات بما في ذلك الجرذان. وحدث ما يشبه ذلك عندما حاصر النازيون لينينجراد لمدة عامين متواليين أثناء الحرب العالمية الثانية. والمجاعة والإملاق وفساد الأخلاق ها قد بلغت في اليمن ذروتها. يقول عالم الاجتماع اليمني الشهير عبد الرحمن بن خلدون أن السلوك الأخلاقي المنحرف هو طريق الانهيار الحضاري. كما يقول الفيلسوف غوستاف لوبون أن الاخلاق ركن هام في حياة ومستقبل الأمم، فعندما تذوي أخلاقها فأنها حتما تموت. والشاعر المصري أحمد شوقي يقول: إنما الأممٌ الاخلاق ما بقيت.... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

سقوط حضارة الاندلس واندثارها مثال بيّن من صفحات التأريخ على ذلك. فالصراعات المريرة بين الحكام على الاستئثار بمقاليد السلطة وما رافق ذلك من تدهور في الاخلاق والقيم على مستوى النخب والعامة كان من بين أهم أسباب سقوط تلك الحضارة الزاهية. ويومذاك علق ابن خلدون الذي عاش تلك الفترة قائلا: "إذا أذن الله بانقراض الملك من أمة، حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى ما أدى إلى ضياعه". وصدق الله العظم في كتابه " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".

ألم يحن الوقت أيها اليمانيون لصحوة العقل والمنطق والضمير لِتَسْكِتوا أصوات المدافع ليرتفع بدلا عنها أصوات السلام. وتستبدلوا النخب الوضيعة الجاهلة بنخب حرة وطنية نبيلة ذا عقل وبصيرة. أعلموا أنه لن يقوم بذلك غيركم. لقد برهنت السنوات الست العجاف من الحرب أن الخارج لا ولن يهتم لكم كما تظنون أو تدعون، وهو لا يمكن أن يكون أكثر حرصا عليكم وعلى وطنكم وسيادته ووحدته منكم. حرب اليمن مأساة إنسانية منسية لا يذكرها ويتذكرها العالم الخارجي إلا في سياق ترتيب مصالحه والمساومة عليها. فاجعة مرفأ بيروت الكارثية تداعى لها العالم كله وأحتشد ليمد يد العون والمساعدة لشعب لبنان المنكوب وقطعا هو يستحق ذلك. إلا أن نكبتنا التي لا قياس عليها وكوارثنا ومآسينا ودمائنا النازفة نحن أهل اليمن لا أحد يعيرها انتباها إلا – وذلك غالبا- في حدود المناورة اللغوية التي تؤمن لمن يقومون بها مصالحهم وتعظم أرباحهم. عليكم أن تتعظوا من تاريخ وتجارب الشعوب والأمم الأخرى التي انخرطت في صراعات وحروب مدمرة أنْ سهلت بذلك للقوى الخارجية احتلال إراضيها وتجزئتها ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها وإذلالهم. هذا هو الجزء المظلم في العلاقات الدولية وهو الجزء الغالب. تأملوا ماذا جرى ويجري لأشقائنا في الصومال والسودان والعراق وليبيا وسوريا ولنا نحن في اليمن. وهلموا سريعا للسلام العادل والشامل والمستدام لنعيش في وئام ورخاء وكرامة وأمان قبل أن يفوت الأوان.



شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
تعليقات القراء
482252
[1] الوزير
د.احمد المقطرى ⁸
الأحد 09 أغسطس 2020 07:14 مساءً
كم نهبت انت وحاشيتك ثم تركتم الوالد عبدربه منصور وتقافزتم من القارب والان تتجول في أوربا وأمريكا

482252
[2] لا حول ولا قوة
عبد الكريم الإبي
الأحد 09 أغسطس 2020 10:59 مساءً
إيش الكلام الكبير ها يا ميتمي؟ كان المفروض يطردوك من الوزارة مبكرا حتى تطلق دعوتك للسلام. ألم تقرالدعوات التي أطلقها الأدباء والكتاب من داخل اليمن وعلى رأسهم الدكتور عبد العزيز المقالح مطالبين بإيقاف الحرب، ومع ذلك لم نقرأ أو نسمع لك أي تعليق على تلك المطالبات. كان من واجبك أن تقول لهم باقي نفر وتسجّل اسمك معهم في القائمة أو تكتب تعليق مساند لهم. ولكن حينها كنت في الوزارة.

482252
[3] لا حول ولا قوة
عبد الكريم الإبي
الأحد 09 أغسطس 2020 11:03 مساءً
نعم، حينها أنت كنت في الوزارة وآذانك مغلقة وكرشك مفتوح. ثم ألم تقرأ في أدبنا العربي القول المأثور خير الكلام ماقلّ ودلّ. كل هذا المقال الطويل العريض المنقول أكثر من نصفه من كتب الآخرين، كان يمكن إيراد أفكاره في أقل من ربع صفحة بدل هذا التطويل الزائد ظنّاً منك أن طول المقال يضفي عليه سمة خاصة.

482252
[4] لا حول ولا قوة
عبد الكريم الإبي
الأحد 09 أغسطس 2020 11:06 مساءً
الآن بعد أن عرفت أنك خارج من الوزارة لا محالة تطالب الشعب اليمني أن يستبدل النخب الوضيعة الجاهلة بنخب حرة وطنية نبيلة. فأين أنت من الاثنتين؟ هل تعتبر نفسك من الثانية بعد أن أكلت وأتخمت وأنت في زريبة النخب الوضيعة؟ إذا كنت تعتبر أن النخبة المسيطرة وضيعة وجاهلة فلماذا بقيت ضمنها حتى حان خروجك من الوزارة؟ فعلاً أنتم نخبة فاسدة ومفسدة.. قبحكم الله ولعن الزمان الذي جاء بكم وبأمثالكم!


شاركنا بتعليقك